ابن عجيبة
324
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( منه ) : خبر مقدم ، و ( آيات ) : مبتدأ ، فيوقف على ( الكتاب ) ، وقيل : ( منه ) : نعت لكتاب ، وهو بعيد . قال ابن السبكي : المحكم : المتضح المعنى ، والمتشابه : ما استأثر اللّه بعلمه ، وقد يطلع عليه بعض أصفيائه . و ( هن أم الكتاب ) : جملة ، وحق الخبر المطابقة فيقول : أمهات ، وإنما أفرده على تأويل كل واحدة ، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة . والزيغ : الميل عن الحق . و ( الراسخون في العلم ) : معطوف على ( اللّه ) ، أو مبتدأ ؛ إن فسر المتشابه بما استأثر اللّه بعلمه ، كمدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة ، أو بما دل القاطع على أن ظاهره غير مراد . قاله البيضاوي . و ( إذ هديتنا ) : ظرف مجرور بالإضافة مسبوك بالمصدر ، أي : بعد هدايتك إيانا . يقول الحق جل جلاله : إن الذي انفرد بالوحدانية والقيومية ، ولا يخفى عليه شئ في العالم العلوي والسفلى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ المبين ، فمنه ما هو آياتٌ مُحْكَماتٌ واضحات المعنى ، لا اشتباه فيها ولا إجمال ، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي : أصله ، يرد إليها غيرها ، وَ منه آيات أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ أي : محتملات ، لا يتضح مقصودها ؛ لإجمال أو مخالفة ظاهر ؛ إلا بالفحص وجودة الفكر ، ليظهر فضل العلماء النقاد ، ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها ، فينال بها ، وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها ، والتوفيق بينها وبين المحكمات ، أعلى الدرجات وأرفع المقامات . قال في نوادر الأصول : لمّا تكلم على المتشابه قسّمه على قسمين ؛ منه ما طوى علمه إلّا على الخواص ؛ كعلم فواتح السور ، ومنه ما لم يصل إليه أحد من الرسل فمن دونهم ، وهو سر القدر ؛ لا يستقيم لهم مع العبودية ، ولو كشف لفسدت العبودية ، فطواه عن الرسل والملائكة ؛ لأنهم في العبودية ، فإذا زالت العبودية احتملوها ؛ أي : أسرار القدر . ه . ولمثل هذا يشير قول سهل : للألوهية سر - لو انكشف لبطلت النبوة ، وللنبوة سر - لو انكشف لبطل العلم ، وللعلم سر لو انكشف لبطلت الأحكام . ه . قلت : فتحصّل أن الكتاب العزيز مشتمل على المحكم والمتشابه . وأما قوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ فمعناه : أنها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ ، وقوله تعالى : كِتاباً مُتَشابِهاً معناه : أنه يشبه بعضه بعضا في صحة المعنى وجزالة اللفظ . ثم إن الناس في شأن المتشابه على قسمين : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ : أي : شك ، أو ميل عن الحق ، كالمبتدعة وأشباههم ، فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ، فيتعلقون بظاهره ، أو بتأويل باطل ، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي : طلبا لفتنة الناس عن دينهم : بالتشكيك والتلبيس ، ومناقضة المحكم بالمتشابه ، وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ على ما يشتهون ليوافق بدعتهم .